عبد الكريم الخطيب
1355
التفسير القرآنى للقرآن
ومن منطق هؤلاء الضالين ، أنهم يتهمون النبىّ بالكذب والافتراء ، وهم الذين لم يجرّبوا عليه في حياته كلّها قولة واحدة جانبت الصواب ، أو بعدت عن الصميم من الحقّ . . ولم يسألوا أنفسهم : لم يكذب ؟ وما غايته من هذا الكذب ؟ إن الذي يزوّر الكلام ، ويختلق الأكاذيب ، لا بدّ أن يكون له وراء ذلك غاية يتغيّاها ، ومطلب يسعى للحصول عليه . . فما ذا طلب النبىّ منهم من وراء هذا الدّين الذي يدعوهم إليه ؟ إنهم - لو عقلوا ، لعرفوا أنما يدعوهم ليحترموا عقولهم ، وليرتفعوا بإنسانيتهم عن هذا الصّغار الذي هم فيه ، من لعب في التراب ! ومن عجب ، أن هؤلاء الرجال الأطفال ، قد استطاعوا أن يميزوا هذا القول ، وأن يعرفوا أنه فوق مستوى البشر ، وأنه ما كان لمحمد أن يقدر على افترائه ، وإنما استعان بأهل الصنعة والخبرة فأعانوه عليه - من عجب أن تبهرهم آيات اللّه ، وأن يروا بعض ما فيها من عظمة وجلال . . ثم تأبى عليهم عقولهم التي أذلّها الجهل والضلال ، أن يسلّموا بأن هذا الكلام ليس من صنعة بشر ، وإنما هو من كلام ربّ العالمين ، كما يقول لهم ذلك محمد ، الذي لم يجرّبوا عليه كذبة قط ، وكما تحدّثهم بذلك كلمات اللّه ، في جلالها ، وسموّها ، وبعدها عن أن تكون في متناول إنسان ! . - وفي قوله تعالى : « فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً » - هو ردّ على قول الكافرين : « إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ » . . إنهم هم الذين جاءوا بهذا القول الظالم ، الجائر عن الحق ، والذي زوّروه على أنفسهم ، وكذّبوا عليها به . . وفي تعدية الفعل « جاء » إلى المفعول ، وهو يتعدّى بحرف الجرّ ، فيقال